
رائع علي شريعتي عندما يتحدث عن الأمور بصور عامة وعن الدين بمجمله دون أن يدخل في الإشكالات المذهبية لأنه للأسف سوف يتحيز مجبراً إلى طرف على حساب طرف آخر مهما بذل جهده في أن يكون منصفاً .. لكنّ شريعتي وقد قرأتُ له من قبل “ النباهة والاستحمار ” .. وهذا الكتاب إنما هو مكمّل للنباهة والاستحمار .. كان شريعتي رائعاً حين طرح لمحات سريعة عن التاريخ والدين الحقيقي ودين الشرك .. “إذ يعتبر أن الشرك دين آخر” و لذلك يطرح تعريفات مختلفة للكفر والشرك وعبادة الأوثان فيعرّف الكفر بأنه : ليس بمعنى تغطية الدين باللادين بل تغطية الدين بواسطة دين آخر ..
بينما يكون الشرك : ديناً وهو أقدم أنواع الدين في حياة المجتمعات البشرية .. إذ يؤمن صاحبه بأرباب كثيرة .. وصاحبه متديّن وإن أخطأ الهدف وسلك طريقاً مغلوطاً .. أما عبادة الأوثان فهي فرع للأصل “الشرك” .. وهي : لون خاص من ألوان الشرك وأصحاب هذا النوع من الشرك يصنعون الآلهة ويعبدونها أو كي تقوم بدور الواسطة بين العبد والمعبود ، سواء كان صنع الآلهة مادياً أو معنوياً ..
يستطرد شريعتي ويتطرق إلى صور من “دين الشرك” الذي حارب دين التوحيد على مدى التاريخ كالسامري الذي حارب دعوة موسى عليه السلام وبلعم بن باعورا ، والفريسيون الذين حاربوا عيسى ، ومشركو مكة الذين حاربوا النبي محمد عليه الصلاة والسلام ..!
وهؤلاء كلهم حاربوا دين التوحيد من أجل دينهم وأربابهم التي يعبدونها لا لجلافة الحس الدني عندهم ! هذه هي حرب الدين ضد الدين ..!
من بعدها يتطرق شريعتي إلى نقطة رائعة وتلامس الآن شيئاً كبيراً في نفوس كل الشباب الثائر في هذا الربيع العربي وهو ” الدين الثوري ” .. ويعرّفه شريعتي بأنه : ” الدين الذي يغذّي أتباعه بالرؤية النقدية حيال كل ما يحيط بهم من بيئة مادية ومعنوية ويكسبهم شعوراً بالمسؤولية تجاه الوضع القائم يجعلهم يفكرون بتغييره فيما لم يكن ذلك مناسباً ” ..
هذا التعريف الذي يأتي الآن على قياس الشباب العربي .. الذي كان متديناً “البعض بالطبع ” .. والآن صار دينه ثورياً وصار هو ثائراً على كل ما من شأنه أن يخفض رأسـه ويجعله ينحني لمؤسسات الاستبداد الدينية أولاً والسياسية ..
هذا الكتاب برأيي وكما ذكرتُ آنفاً .. هو يصب في بحر كتابه السابق “النباهة والاستحمار ” .. بمعنى : معرفتك للدين وتطبيقك له + إنكارك لأخطاء المؤسسات الدينية والسياسية واستبدادها = يجعل منكَ فرداً متديناً ثائراً ذا نباهة ومن الصعب بمكان أن تستطيع هذه المؤسسات “استحمارك” بطريقة أو بأخرى !
يستدل شريعتي عند استفاضته في الحديث عن الدين الثوري ، بالنبي موسى عليه السلام الذي ثار على ثلاثة أنواع من الاستبداد في وقت واحد : الاستبداد الاقتصادي المتمثل في قارون ” الرأسمالي ” ، والاستبداد الديني : المتمثل في بلعم بن باعورا ، كعبة المتدينين وأقوى شخصية دينينة في زمان النبي موسى عليه السلام ، وأخيراً الاستبداد السياسي المتمثل في فرعون وجنوده الخاطئين ..















