حماة .. عنقاء سوريا

دين ضدّ الدين ..!

رائع علي شريعتي عندما يتحدث عن الأمور بصور عامة وعن الدين بمجمله دون أن يدخل في الإشكالات المذهبية لأنه للأسف سوف يتحيز مجبراً إلى طرف على حساب طرف آخر مهما بذل جهده في أن يكون منصفاً .. لكنّ شريعتي وقد قرأتُ له من قبل “ النباهة والاستحمار ” .. وهذا الكتاب إنما هو مكمّل للنباهة والاستحمار .. كان شريعتي رائعاً حين طرح لمحات سريعة عن التاريخ والدين الحقيقي ودين الشرك .. “إذ يعتبر أن الشرك دين آخر” و لذلك يطرح تعريفات مختلفة للكفر والشرك وعبادة الأوثان فيعرّف الكفر بأنه : ليس بمعنى تغطية الدين باللادين بل تغطية الدين بواسطة دين آخر ..
بينما يكون الشرك : ديناً وهو أقدم أنواع الدين في حياة المجتمعات البشرية .. إذ يؤمن صاحبه بأرباب كثيرة .. وصاحبه متديّن وإن أخطأ الهدف وسلك طريقاً مغلوطاً .. أما عبادة الأوثان فهي فرع للأصل “الشرك” .. وهي : لون خاص من ألوان الشرك وأصحاب هذا النوع من الشرك يصنعون الآلهة ويعبدونها أو كي تقوم بدور الواسطة بين العبد والمعبود ، سواء كان صنع الآلهة مادياً أو معنوياً ..

يستطرد شريعتي ويتطرق إلى صور من “دين الشرك” الذي حارب دين التوحيد على مدى التاريخ كالسامري الذي حارب دعوة موسى عليه السلام وبلعم بن باعورا ، والفريسيون الذين حاربوا عيسى ، ومشركو مكة الذين حاربوا النبي محمد عليه الصلاة والسلام ..!
وهؤلاء كلهم حاربوا دين التوحيد من أجل دينهم وأربابهم التي يعبدونها لا لجلافة الحس الدني عندهم ! هذه هي حرب الدين ضد الدين ..!

من بعدها يتطرق شريعتي إلى نقطة رائعة وتلامس الآن شيئاً كبيراً في نفوس كل الشباب الثائر في هذا الربيع العربي وهو ” الدين الثوري ” .. ويعرّفه شريعتي بأنه : ” الدين الذي يغذّي أتباعه بالرؤية النقدية حيال كل ما يحيط بهم من بيئة مادية ومعنوية ويكسبهم شعوراً بالمسؤولية تجاه الوضع القائم يجعلهم يفكرون بتغييره فيما لم يكن ذلك مناسباً ” ..
هذا التعريف الذي يأتي الآن على قياس الشباب العربي .. الذي كان متديناً “البعض بالطبع ” .. والآن صار دينه ثورياً وصار هو ثائراً على كل ما من شأنه أن يخفض رأسـه ويجعله ينحني لمؤسسات الاستبداد الدينية أولاً والسياسية ..

هذا الكتاب برأيي وكما ذكرتُ آنفاً .. هو يصب في بحر كتابه السابق “النباهة والاستحمار ” .. بمعنى : معرفتك للدين وتطبيقك له + إنكارك لأخطاء المؤسسات الدينية والسياسية واستبدادها = يجعل منكَ فرداً متديناً ثائراً ذا نباهة ومن الصعب بمكان أن تستطيع هذه المؤسسات “استحمارك” بطريقة أو بأخرى !

يستدل شريعتي عند استفاضته في الحديث عن الدين الثوري ، بالنبي موسى عليه السلام الذي ثار على ثلاثة أنواع من الاستبداد في وقت واحد : الاستبداد الاقتصادي المتمثل في قارون ” الرأسمالي ” ، والاستبداد الديني : المتمثل في بلعم بن باعورا ، كعبة المتدينين وأقوى شخصية دينينة في زمان النبي موسى عليه السلام ، وأخيراً الاستبداد السياسي المتمثل في فرعون وجنوده الخاطئين ..

هنا أكثر



الصورة بين غيابها في 1982 و حضورها في 2011 .

طوال أربعين عاماً كان الغباء الإعلامي السمة المميزة لنظامٍ ابتدأ حكمه بالدم وسينتهي بسببه .. نظامٌ لم يُحسن يوماً إلا أن يوغل في القتل والدم “دم شعبه ” بالطبع وليس دم “المحتلين” الذين لم يتضرروا منه إلا بفقاعات إعلامية مارسها كغطاء لعمالته التي كانت مفضوحة من جهة أخرى .. وبقي يقاوم ويمانع “إعلامياً” وفوق الطاولة فقط ..

في محاولة “متواضعة” لرصد الإعلام وتغطيته في فترة 1982 و2011 .. حاولتُ استطلاع رؤى إعلامية بالرجوع إلى كتب ومقالات تحدثت عن مجزرة حماة وتطرّقت بطبيعة الحال إلى التغطية الإعلامية التي كانت منعدمة بنسبة 98% في فترة الثمانينات .. وقمتُ بعقد مقارنة صارت اليوم أقرب إلى الوضوح لكل مراقب للوضع السوري خاصة إن عايش الفترتين وأقصد بهما الثمانينات والآن .. المجزرة والثورة .. لكن ثورتنا تحتاج التوثيق والمجزرة تحتاج إعادة توثيق أيضاً بعد إغفالها والصمت عنها وعن شهداءها الذين وصلوا إلى سبعين ألف في بعض الروايات وخمسين ألف أو أربعين في روايات أخرى .. ولم توثق أسماء الكثير منهم رحمهم الله ورضي عنهم ، ولعلنا ننجح ولو في جزء بسيط في هذا الأمر !

ربما يكون الفرق الكبير “وهنا أتحدث في النطاق الإعلامي” ما بين المجزرة والثورة هو أن الأب الذي قُتل في مجزرة حماة لم يكن ثمّة صديقٌ يحملُ هاتفاً مزوداً بكاميرا كي يصوّر دمه المسفوح في شوارع حماة وأزقتها ، لذلك شحّت الصور والفيديوهات ربما إلى نسبة 15% وربما أقل “ظهر منها جزء بسيط والكثير خبأه أصحابه تحت الأرض .. و 10% منها ظهرت الآن في الأشهر الأخيرة بسبب تلاشي الخوف وانكساره في نفوس السوريين .. أشهره الفيلم الوثائقي المصوّر منذ 1984 بأجزاءه الأول ، الثاني ، الثالث ، الرابع ..
بينما ابن ذاك الشهيد اليوم يحمل هذا الهاتف أو يحمل الكاميرا ويصور أصدقائه الشهداء والجرحى ، يصوّر المستشفيات الميداينة ، يصوّر عمليات الجيش الحر ، وذخائرهم ، يصور “وهذا الأهم” الفضائح التي يرتكبها شبيحة الأسد وميليشياته التي تعيث في سورية فساداً منذ ما يزيد عن عشرة أشهر .. لذلك كان “التضليل الإعلامي” كما تصفه قناة الدنيا التي جاءت اسماً على مسمى .. هذا التضليل الإعلامي الذي نمارسه هو ما أصاب النظام في مقتل وفضحه عربياً وعالمياً ، فأتت صور جنوده وهم يرفسون السوريين الأحرار بأحذيتهم ويصفعهونهم ويأمرونهم بالكفر بالله والاعتراف ببشـار وماهر إلاهين من دون الله ، تعالى الله عما يصفون .. وجاءت صور الشبيحة بقذارتهم يدنسّون المساجد ويتسامرون ويضحكون ويمارسون الهمز واللمز على المصلين وشيوخ الثورة .. حتى أن بعض الشبيحة كما في شهادة الناشط عبد الله أبازيد “عمر عللوه” صار يتعمّد تصوير نفسه وأصدقاءه في مقاطع قد تثير لغطاً على النظام ومساوئ أبناءه اللاشرعيين ، فقط من أجل أن يبيع المقطع ليربح به عدة ليرات قد لا تغنيه ولا تسمنه من جوع ..
لذا صار النظام يمارس ثورة ضد نفسه تمثّلت في قناة الدنيا والتلفزيون السوري .. وصار همُّ قناة الدنيا أن تثبت الأكاذيب والتضليل الذي يمارسه إعلام “العصابات المسلّحة” وإعلام المؤامرة الكونية الذي يتربصُّ شراً بالنظام السـوري ..

عودة إلى الثمانينات ، بل ما قبل الثمانينات .. دعونا نقرأ هذا المقطع من كتاب “حمامات الدم في تدمر ” / عبد الله الناجي ، معتقل سابق في تدمر .. يتحدث عن وسائل الإعلام في سجن تدمر ومقابلتها للمعتقلين ..فيقول في صفحة 145 :
كانت أجهزة المخابرات ترتب مقابلات إذاعية وتلفزيونية مع بعض المعتقلين الذين توجه إليهم أسئلة محددة ، بهدف الحصول على على إجابات معينة لإقناع عوّام الناس بما تريده السلطة الغاشمة ، أو لتبرير بعض التصرفات القمعية التي تسلكها تلك الأجهزة الجهنمية .
ففي عام 1979 و 1980 أظهرت السلطة عدداً من المعتقلين على شاشة التلفزيون ، مثل الأخ الشهيد أمين أصفر رحمه الله رحمة واسعة ، وكانوا يجبرون المعتقل على كلام يكون سبباً للانتقادات والشبه عند عوام الناس ، والذين يعرفون الظروف التي تتم بها تلك المقابلات لا يسعهم إلا أن يعذروا أولئك المساكين فيما يقولون
حضر الزبانية لمهجعنا أوائل 1981 وقرأوا اسمين لاثنين من الإخوة عندنا وقالوا لهما : عليكما أن تلبسا أحسن ما عندكما من الملابس (لكم زيارة) وفي اليوم التالي حضروا وأخرجوا الأخوين لساحة الإدارة ورتبوا لهما هندامهما ، ثم أخذوهما لغرفة المقابلة ، ووقف المساعد أبو جهل وقال لهما عليكما أن تقولا كل مما يطلب منكما ، وإذا لم تفعلا فالدولاب جاهز بانتظاركما.
دخل الإخوة غرفة أعدت لهذه المهمة من حيث المقاعد والأنوار والديكور وكاميرات التصوير وراح أحد الأشخاص يسألهما مستمعاً لاجابتهما ، وكلما أجاب أحد الإخوة بصورة غير مقبولة ، قال له : عليك قول كذا وكذا ، وطلبوا منهما أن يكونا طبيعيين أثناء المقابلة مع قليل من التبسّم ، ثم أجريت مقابلة “بروفا” حتى يطمئنوا للإجابات الموافقة لأهوائهم  ”
أجزمُ أنكم تذكرتهم : حسين الهرموش ، والشيخ الصياصنة ، والشيخ نواف البشير ، والفنان جلال الطويل ، وزينب الحصني .. التاريخ يعيد نفسه والقاتل ينجب قتلة صغار يشبهونه في القذارة والأسلوب الأعوج في التحكم بالآخرين عن طريق الخوف والتعذيب وعلى مدى أربعين عاماً لم يتغيّر فيهم شيء اللهم أنهم ازدادوا سوءاً إلى سوئهم ..!

هنا أكثر



حماة .. عنقاء سورية ..

أنتَ مدوّن .. سوري أو غير سوري .. أنتَ مدعو للمشاركة في حملتنا التدوينية : ” حماة ، عنقـاء سورية ” ..

ما هي هذه الحملة ؟!!

حملة تدوينية سوريّة بدعم بعض المدونين العرب، للحديث عن مجزرة حماة82

لما هذه الحملة ؟!!

- تحريك المياه الراكدة في المجتمع التدويني بالكتابة حول نفس الموضوع
- إقامة صلات بين المدونين السوريين، التعرف على بعض عن كثب أقرب، هي فرصة لزيارة مدونات لم نزرها من قبل
- إيقاظ الذاكرة الشعبية للكثير من الحقائق غير المعروفة عن مجزرة حماة، وبعض القصص والصور غير المنتشرة.
- لفت الانظار إلى دور حماة في ثورة الحرية والكرامة .. وانتفاضتها غير المسبوقة

كما تهدف الحملة إلى إبراز دور المدونين في الثورة السورية .. حيث أنها المرة الأولى التي يتم فيها إحياء الذكرى بهذه الطريقة الجماعية وتنبيه العالم إلى الثورة الإلكترونية التي يقوم بها السوريون والتي تترافق مع ثورتهم على الأرض ، بالإضافة إلى أننا حين نكتب نحن نؤكد لأصدقاءنا وأعدائنا بأننا لم ننس مع فارق ما يشكله المعنى في نفس كل فريق من الفريقين ..!

ما دلالة اسم الحملة ؟!!

طائر العنقاء .. هو طائر أسطوري يقال أنه عندما يقتل أو يحترق، فيتحول لرماد، يعود ليحيى مجددا من تحت الرماد .. رمز على العودة إلى الحياة والإصرار على النصر

كيف يمكنني التواصل معكم ؟!!

انقر هذا الرابط وأثبت وجودك .. من أجل سورية ومن أجل حماة .. ومن أجل أن لا ننسى ..



إني لأجد ريح الحرية (2) ..

ترك لها في صندوق البريد رسالةً عطّرها بأنفاسه .. وجوريةً توضّأت بندى بردى ..!

كتبَ لها فيها : سقفُ روحي وبيتُ قلبي : شام ..
يعرّش الياسمينُ على فمي .. وعلى شفاهي تكبر جوريّة كلما نطقتُ اسمك !
يالله لو كان بإمكانك أن تشاهدي حدائق الياسمين التي تحتضنني حين أكتب إليك ..
يا شام .. اسمكِ يُزهرْ .. وفي عينيكِ يجري بردى .. وأنا العاشقُ الذي لا يرتوي ..!

وفي عتمات الغياب تضيئين ..
أنتِ دمشق إذْ تفتحُ ذراعيها .. لمحبٍ ألقى بنفسه من على سفوح قاسيون .. وارتمى في أحضانها ..!
فامنحي يا شامُ هذا المحّب إطلالةً من قاسيون  .. واسقي عطشه بشربةٍ من بردى ..
وافتحي له محراب الأموي كي يصلي فيه بعد أربعين عاماً من التيه ..!

مضتْ الأيام وما لقيَ المحّب من الشام جواباً !
الرسالة اغبرّت وليس ثمّة شام .. كي تمسح عنها غبارَ الرحيل ..!ّ
والجوريّة عطشى وليس ثمة بردى كيْ يسقي العطاش ..
و تصله رسالة : يا صاحب الياسمين .. الياسمين معتقل .!

الخامسة صباحاً .. تشق الحياة ثوبها الأسود .. وفي السماوات يدوّي رجع انكسارات القيود ..!



رسائل من بريد المخيم “ 3 “

نسخة من المقال في موقع المندسة ..

” يا جبل البعيد ، خلفك حبايبنا ..! ”
يموج صوت فيروز في أذني كذكرى أشعر أنها لن تتكرر .. كم حبيباً تركتُ خلفك أيها الجبل .. وهذا الوطن ، الحبيب الوحيد الذي مضيتُ وتركته قسراً دون أدنى إرادة مني ، أنا التي أجدّل شعري بياسمين الشام ، وأغسله بماء بردى البارد .. كيف سيرضى شعري أن يرتمي اليوم في سوى أحضان بردى !
“ميرهبا / مرحبا ” المفردة الأولى في قاموس اللجوء والمنافي .. يتصنع الرجل الذي يبدو أنه مسؤولاً عن المخيم ومشتقاته ابتسامة كي يرحب بنا في وطننا الجديد .. ابتسامة تخبرنا من خلف حجاب أنه يستشعر حرجه وخجله أن يرحب بنا في مخيم .. في زمنٍ لم يعد فيه حتى بعض حجّاج مكة يبيتُ في مخيمٍ خاص به حين يحجُّ إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة ..
أشفقتُ على الرجل في الوقت الذي يفترض أن يشعر هو بالشفقة عليّ وعلى عائلتي .. كانت الشفقة شعوراً متبادلاً ..!
تبعنا خطواته .. كانت المخيمات نظيفة ولم يكن عدد اللاجئين بعدُ كبيراً ، فهمنا من المترجم أن ثمة أعداد قادمة من اللاجئين .. أنظر إلى الشمس فيتضعضعُ بصري وأغمضُ عيني .. وأتساءل : هل للوجع الممتد على مدى خمس دقائق أن يتكرر الآن مع كل من يستقل الحافلة القادمة إلى منفانا ؟!!

أتنبه إلى صوت أبي المبحوح يعلو مع المترجم .. أقف بعيدة عنهم بضع خطواتٍ أقتربها لكي أستطيع أن أدرك ما يجري ؟ .. دون أن أسأل أمي أي شيء ، أترك للزمن أن يجيب على أسئلتي الكامنة في قلبي ، يفعلها الزمن وأعرف أنهم يريدون أن تتوزع عائلتنا في أكثر من خيمة .. لماذا ؟ هنا لم أعد أدرك ، لأني لم أعد أبصر أصلاً .. يعتريني البكاء بشكل هستيري .. لكن لم لتقف دموعي حاجزاً في وجه ما بدأ يقابلني من لعنات اللجوء ..!

هنا أكثر



رسائل من بريد المخيم ” 2 ” ..

الجزء الأول من رسائل من بريد المخيم

نسخة من المقال في جريدة حريات

نسخة من المقال في موقع المندسة

صباح اللجوء يا شمس المنافي .. ليس أبشع من شمس المنافي .. أنا حتى اليوم لم أدرك لها لوناً ولا ضوءاً ولا شعاعاً .. ” رغم توفرهم جميعاً ” .. ما أعرفه أنها تتحالف مع حنيني فأنصهر بهما كل يوم ألف مرة أو يزيد .. الشمس في النهار ، والحنين في الليل .. وهكذا يا صاحبي تدور الدائرة وابحث عني إن كنت ستجدني ..

وصل إلينا مندوب “المخيم” .. وركبنا حافلة نقلتنا خلال خمس دقائق إلى الوطن الجديد .. خمس دقائق كانت المنعطف الكبير في حياتي وحكايتي .. في وطني للخمس دقائق حكاية .. كل شيء في وطني “السابق” ينتهي في خمس دقائق .. حياتك تنتهي في خمس دقائق ، حريتك تنتهي في خمس دقائق ، راتبك ينتهي في خمس دقائق ، يُـنتهك عرضك في خمس دقائق ، يقتل العشرات في خمس دقائق ، تُـنفى في خمس دقائق ، تصبح لاجئاً في خمس دقائق ..!
كل ثانية كانت عمراً من البكاء ، كل دقيقة كانت عمراً من الوجع .. وألف سؤال : هل لهذه الحافلة أن تتقن خط العودة بنا إلى حيث أتينا مرة أخرى ؟!!
أي خطيئة ارتكبناها حتى ضاعت منا أوطاننا ! أبتلع ريقي بشدة ، يستبد بي العطش .. ويستبد بي الحنين الذي بعد مازال في أول طريقه إلى قلبي ..

ما مر في حياتي أطول من هكذا خمس دقائق ، استعدت الماضي لحظة بلحظة .. كم كنتُ أشتكي طول الزمن والروتين الذي يداهمني يوماً بعد يوم .. واحسرتي إذ يكسر اللجوء اليوم روتيني ، وظهري أيضاً .. ياالله .. لم أكن لأرتجي يوماً أن تكون “حياة المخيم” الفأس الذي أكسر به الملل الذي يعتريني !
أحاول أن ألتفت إلى الوراء .. فلا أرى وطني إلا ظلالاً تخونني وتختفي أكثر ما بين طرفة عين وانتباهتها .. هذا الوطن الذي صار بعيداً كشهاب يلتمع في الأفق .. ما زال قريباً مني كقلبي ، ما زال يخفق فيّ كقلبي ..!

هنا أكثر



27 رمضان ، حين وقف السوريون “على حافة الضوء” ..!

277035_161202787307712_2055989285_n

من خلال السقف الذي يحدد مكان عزلتنا من الأعلى ويفصلنا عن الكون الخارجي
كان ضوء الشمس التي لم تشرق بعد قد بدأ بدخول المكان ..
يتلون أثناء تسربه بخجل من البلور الفسيفسائي الموجود في أعلى القبة ..
ويحاول جاهداً أن يخفف من رمادية المشهد ..
طلع الضوء إذاً !

وائل صلاح الدين

منذ الخامس عشر من آذار و أنا أمنّي النفس أن أرى أعمالاً أدبية بحجم النضال والتضحية الموجودة في سورية .. وترتد إلى ذاكرتي الأعمال الأدبية في الثمانينات التي ولدنا لنجدها وقد بلغت من العمر عدة سنوات .. وأتذكر الأعمال الإنشادية _ التي لم ينطق أصحابها اليوم ببنت شفة _ و التي لم تقارب كل أعمال الثورة الحالية عملاً واحدة منها .. ترتد إلى ذاكرتي قصائد الشهيد محمد صالح نازي الذي استشهد في أحداث الثمانينات وهو يبلغ من العمر 27 عاماً .. أحد أجمل وأرقى أعماله رحمه الله مناجاته لمن سبقه من إخوته الشهداء ..

” يا إخوتي إني لعاشق نوركـم .. أيــن اختــفى إنـّي له أتشــــوقُ
ياصحبة الدهر الطويل هواكـمُ ..عقلي وقلبي بل مناي فأشفقوا
وتمهلوا في هجر باعث حبكمْ .. في أصغريه مقدســاً وتـــرفقوا
فخياله قد فاض من نفحاتكمْ .. صوراً تـمر ودمــعه يــترقـــــرقُ
هل كان من حق الإخاء عليكمُ .. أن تتركوه ودونما أن تنطــقوا
فبحق من جعل القداسة ثوبـــه .. لا تتركوه فــــقلبه يتمــــــــزقُ “

واليوم تقع على يدي رواية ” على حافة الضوء ” لـ وائل صلاح الدين .. الذي أعتقد أنه استعار اسماً كي يكتب روايته .. فنحن ما زلنا في سورية التي إن انتقدت فيها باسمك الحقيقي فإن الواجب أن تترحم على نصف عائلتك .. وائل صلاح كان أحد المصلين في مسجد الرفاعي الواقع في كفرسوسة في دمشق في ليلة السابع والعشرين من رمضان ، تلك الليلة التي لا أنساها .. تلك الليلة التي لم أغفو فيها حتى العاشرة صباحاً .. في هذه الرواية التي تقع أحداث عدة ساعات في 95 صفحة على متصفح الكتب ..

لم يطل وائل في روايته ، قص لنا الحدث ، رفع روايته ومضى .. لكني أثق ان يراقبنا عن بعد كما يراقب ذلك الضوء المتسلل من بلور المسجد حين طلع الضوء في صباح السابع والعشرين من رمضان .. تتسارع الأحداث كتسارع دقات قلب الثوار الذين حفظت أرض ” مسجد الرفاعي ” جباههم ، هذه الأرض التي اهتزت لكل صرخة ” يالله ” هتفوا بها .. هؤلاء الثوّار الذي وقفوا ” على حافة الضوء ” ووقف معهم عشرات الآلاف من السوريين في تلك الليلة التي أردنا لها أن تكون ليلة الحسم ، ليلة انتهاء الأوجاع المستمرة منذ أربعين عاماً دون انقطاع ..

يصف وائل صلاح الدين ما جرى في تلك الليلة وينتقل في لمحات سريعة إلى يوم حصار مسجد الحسن في دمشق ، وليلة اقتحام المسجد العمري في درعا .. ويبدو أن اللقطات التي نقلها الكاتب كانت نقلاً لأحداث من داخل المسجد .. ولم أعلم حقيقة إن كان الكاتب قد عاشها أو سمع عنها ، كت أتمنى له إن كان قد عايش الأحداث في مسجد الحسن والعمري أن يوّسع الرواية لتنقل أحداث المساجد الثلاثة المتشابهة والمختلفة في آن واحد ..!

يبدو الكاتب صاحب مزاج هادئ كما حدّث عن نفسه وحتى إن لم يفعل فأنت تعرف من مدة النشر التي جاوزت الشهر بعد أحداث الليلة ومن طريقة ترتيب صفحات الرواية .. وغلافها الأنيق رغم عتمته .. لكن كيف يبزغ الضوء إلا من العتمة ؟!!

ينهي الكاتب روايته في يوم العيد الأول ، اليوم الذي شيّع فيه الشهيد ” محمد العلبي ” الذي استشهد في أحداث مسجد الرفاعي في تلك الليلة المباركة ..
كانت الرواية جميلة أنهيتها في ساعة واحدة .. مع أنها كانت بحاجة إلى تفاصيل أكثر .. لكنها رائعة .. لمن أحب استعادة ذلك اليوم الرهيب فليقرأ الرواية .. شكراً لوائل صلاح الدين الذي وثّق لنا أحداث ذلك اليوم .. سننتظر منه رواية أخرى توثق الحدث الجلل الذي ينتظره جميع السوريين والذي يغدو قريباً إن شاء الله ..

لتحميل الرواية اضغط هنا



الكفر الصريح .. على لسان طالب الشبيح ..!

في 15 أو 16 آذار كتبتُ في تويتر تغريدة بمعنى أن نظام البعث الحاكم بـ”الفوضى” في سورية يرتكب من الجرائم ما يصل إلى مرتبة الكفر فيقوم بانتهاك حرمة المساجد وسب الذات الإلهية وحرق المصاحف وكل ما يمس ” عمداً ” بسوء الحدود الدينية للإسلام .. وهذا ليس بجديد على السوريين الأحرار الذين يعرفون حزب البعث معرفة جيدة وليس معرفة السوري الشبيح ببشار الذي يعتقد اعتقاداً جازماً أو شبه جازم أن روح حافظ الأسد قد حلت في بشار .. وهذا يبدو أنه أمر في عقيدتهم .. لذلك من يتفحص جيداً ا يجري في سورية يجد أن غضب النظام مما يجري في كفة وغضبه من هتاف ” يلعن روحك يا حافظ ” في كفة أخرى تماماً وذلك بسبب الإعتقاد الذي يسري لديهم أن روح حافظ الأسد لم تهلك وإنما حلت في بشار وهكذا .. يفنى الجسد ولا تفنى الروح .. انظروا لمصيبة الشعب السوري حين يحكمه جسد بشار وروح حافظ وعقل ماهر ويد رامي مخلوف وقبضة آصف شوكت ؟!!

عوداً على ذي بدء .. السوريون الذين دخلوا إلى المعتقلات السورية وخبروا أقبية السجون وحفظوا ملامح الشياطين الموجودة على وجوه السجانين هم من ذوي الخبرة في معرفة مصطلحات الكفر التي يتفوه بها رجال النظام وشبيحته منذ أربعين عاماً .. في المعتقلات السورية يتعمد إهانة الجسد بالتعذيب المادي ويتعمد إهانة الروح بسب الله ” جل الله عن ذلك ” وسب النبي عليه الصلاة والسلام وسب كل ما هو مقدس في العقيدة .. كل هذا كان خلف الستار لمدة أربعين عاماً على الأقل أمام العالم الذي صدق ” ومازال البعض يصدق ” بأن هذا النظام هو مأوى المقاومة وهو منبع الممانعة وإلى آخره من هذه الترهات ..

هنا أكثر



رسائل من بريد المخيّم ! (1)

ستكون الخيمة مزعجة في الليلة الأولى، ثم في السنة الأولى، بعد ذلك ستصير ودودةً كواحدٍ من العائلة، لكن حاذر أن تقع في حبها، كما فعلنا !

*إبراهيم جابر إبراهيم

الوطن درجات أعلاها قصر وأدناها قبر .. والمنفى درجات أعلاها قصر أيضاً ، وأدناها خيمة يجاورها “قسراً ” قبر .. والحرية درجات أعلاها أن ترحل إلى الرفيق الأعلى من أجل وطنك ، وأوسطها أن تخرج من وطنك مهاجراً في سبيل الله ثم يدركك الموت أو تكون على يقين من أنه مدركك لا محالة ، وأدناها أن تعرف الحرية بقلبك وذلك أضعف الإيمان .. وأنا لستُ من الوطن في أيّ درجة .. وأنا في أدنى درجات المنفى .. وأنا في أوسط درجات الحرية .. وأنا لاجئة ..!

حين تكون لاجئاً لن تكون بحاجةٍ إلى تفقد “بريدك الإلكتروني ” الذي كنتَ تتفقده من غرفتك المكيفة في منزلك “السابق” .. حين تكون لاجئاً وافق مجبراً على هدنة سوف يعقدها هاتفك معك بعدم ازعاجك كما كان سابقاً .. هذا الهاتف الذي يغدو وديعاً بمجرد أن تتعدى الحدود التي تنقلك من الوطن إلى المنفى ..

حين تكون لاجئاً اعلم أن الآخرين لن يعودوا بحاجة كبيرة إلى معرفة أنك بخير أو لست بخير .. أنا تماماً هكذا ، أنا الآن لاجئة وأنا الآن أقف في المنتصف بين كل شيء ، في المنتصف ما بين الحزن والفرح ، اليأس والأمل ، النوم واليقظة ، ما بين الأمس والغد .. أنا الآن في المنتصف ما بين الوطن والمنفى .. خطوة واحدة إلى الوراء وأعود مواطنة على كفني .. وخطوة أخرى إلى الأمام وأصبح لاجئة في خيمتي  الآن أتفهّم جيداً أولئك الذين يقفون بين نارين .. أنا الآن أقف بين جحيمين !
جحيم الحدود .. بي غضب شديد من سايكس بيكو التي لو كانت رجلاً لقتلتها ، هذه التي صنعت الحدود ، هذه التي قالت هذا وطني وذاك منفاك .. هذه التي تجعلني أقف الآن على الخط الذي أكره له أن يكون .. أنا الآن على الحدود ..!

الآن فقط أشعر بحزن آدم عليه السلام إذ هبط من جنة الله إلى أرضه ..! أحتاج زمناً حتى أعي ” وربما لن أفعل ” أنني كنتُ بالأمس مواطنة وأصبحت اليوم لاجئة .. يالله ! أتحسس حقيبتي وأخرج من محفظتي الهوية “الضائعة ” .. يا بؤس هذا المنفى الذي يُضيع منك الهوية وهي لمّا تزال في جيبك !

هنا أكثر



عن صديقي الذي اعتقل حين تمشى في شوارع دمشق مرتدياً الأبيض !

الحرية التي في داخلنا أكبر من السجون التي نحن في داخلها .. * فرج بيرقدار


هذا المقال ترجمة لمقال نشر في صحيفة الغارديان

كريم البالغ من العمر 23 عاماً الطالب الجامعي ، أقرب أصدقائي إلى نفسي  .. اعتقل في الرابع من آب حين قرر هو وأصدقائه الذين يقاربون 30 شخصاً ، ارتداء اللباس الأبيض والتمشي في أحد شوارع دمشق الرئيسية .. في تظاهرة لا تشبه التظاهرات التي تقام عادة ، أي تظاهرة لا ترفع اللافتات أو تنادي بشعارات معينة بل هي تظاهرة صامتة يرتدي فيها المتظاهرون لباساً أبيض .. هذا اللون الأبيض الذي يتحلل من أي ارتباط سياسي ، هذا اللون الذي يفصح بطريقة أو بأخرى عن الحزن الذي يعتري كريم وأصدقاءه جراء ما يجري ، لكن كل هذا البياض لم يقف حائلاً في اعتقال كريم وعدد من أصدقائه !

كان جون ” صديقي و صديق كريم ” هو من أخبرني باعتقال كريم ، حينها همس لي على الهاتف : لا تحاول الإتصال به .. قالها بصوت خافت وكأنه سيمنع أجهزة التنصت من الإستماع إليه أو حتى تحديد مكانه ! ثم استطرد هامساً : لعلنا نستطيع إخراجه الليلة !

لكن والدي الذي كان يمارس مهمة التنصت على محادثتي مع جون .. أمسكني متلبساً وسألني : مالأمر ، ولما أخبرته أجاب بأنه يستحق ما جرى له لأنه يشارك المخربين في مهاجمة سوريا المسالمة والهادئة ! واستطرد بأنه كان من الأفضل لصديقي التركيز على دراسته أو عمله بدلاً من أن يزعج رأسه بصداع السياسة !
والدي .. هذا المعجب بالتلفزيون السوري الرسمي وتقاريرهم حول العصابات المسلحة التي تقوم بمهاجمة المدن السورية فضلاً عن أنه لا يرى أن دخول الجيش للمدن أمر غير صحيح ، إنه يعتقد بأن الجيش لن يهاجم من لم يتركب جرماً ، هذا الجيش ” حسب تفكير والدي ” ببساطة هو الذي سيحقق السلام لهذه المدن التي تتعرض للمؤامرات الواحدة تلو الأخرى !

بعيداً عن انتماءاتنا السياسية بدأنا _ أصدقاء كريم _ بالعمل على حل أزمة كريم .. فقمنا بإجرء الإتصالات وبدأ البعض بالعمل على إخراج كريم لكن مع جمعة رمضان الأولى بدأ الإنشغال في ” الأوساط العليا ” ولم يعرنا أحد اهتماماً بخروج كريم أو عدمه !

كنتُ كمن يُلقي على أسماعهم نكتة سخيفة حين أخبرهم عن اعتقال كريم  ليسألوني : ما سبب اعتقاله بالتحديد ! لكن اجابتي بأنه اعتقل لأنه ارتدى لباساً أبيضاً وتمشى في شوارع دمشق كانت تلقي ستاراً من الصمت يدوم لحظات يستدرك بعدها المتحدث نفسه ليقشعها ويكمل الحديث !

هذه هي المرة الأولى التي أقابل فيها والدة كريم  .. تجلس خلف كومبيوترها المحمول ، مرتدية نظارات القراءة .. وبجانبها هاتفها الذي لا يتوقف عن الرنين، استقبلتنا بحفاوة وبشجاعة تتملكها لبعض الوقت ، ترحب بنا وتقدم لنا الحلوى وتتحدث عن ابنها ” البطل ” كما تصفه .. هذا البطل الذي ستعد له الحلوى حين يخرج .. وحينها يخذلها صوتها .. تختنق ببكائها فتتوقف عن الحديث !

هذا السبت يأتي وحيداً ، لا يمسك بيد كريم .. وجون يداهمه الإرهاق جراء الليلة التي قضاها دون نوم إثر مهاتفات والدة محمد له .. محمد صديق آخر اعتقل أيضاً والتهمة هي ذاتها تهمة كريم ..! والدة محمد ليس لديها أي معارف تستطيع أن تتصل بهم من أجل انقاذ ابنها من المعتقل .. هذه المرأة التي تبكي في كل مرة تستمتع فيها إلى صوت جون الذي تخذله هو الآخر الكلمات التي يريد استحضارها كي يواسيها إلا قوله : لا يوجد حتى الآن أي أخبار ! فتبكي وهو ينصت لبكاءها ثم تغلق الهاتف لتهاتفه مرة أخرى بعد 15 دقيقة !

هنا أكثر