أنــا أيضاً ” رأيتُ رامَ الله ” .. !
أعرفُ أن الغريب لا يعود أبداً إلى حالاته الأولى .. حتى لو عاد .. خـَلـَصْ ! يُصاب المرء بالغربة كما يصاب بالربو ولا علاج للإثنين ..!
مريد البرغوثي

ليس من عادتي البكاء مع الكتب .. هذه المرة الثانيــة التي أقرأ فيهاً كتاباً و أبكي .. المرة الأولى كانت مع السنوات الرهيبة .. وهذه المرة الثانية مع مريد البرغوثي و ” رأيتُ رام الله ” .. طفقتُ أسأل نفسي ترى لماذا .. ! هل لأن مريد البرغوثي موجوع حقاً ويكتبُ بوجعه قبل أن يكتب بمداده .. أم لأن مريد تحسس الأوجاع الموجودة في قلبـي .. تلك الأوجاع التي بتُ أشك أنها استحالت أوراماً غير قابلة للاستئصال .. ! وإلا لما بكيت .. ! لما توجعت !
عندما كنتُ أقرأ كنتُ أحبس الأنفاس .. وكانت أناملي الممسكة بأطراف الكتاب تتعرق كثيراً فأفطنُ لها وأمسح العرق الذي أكسب الصفحات رطوبة عرقي المالح .. كما الوجع المر الذي رطّب ذاكرتي ..!
إلى أن وصلت إلى ما توجّع به وأوجعني : الغربة كالموت ، المرء يشعر أن الموت هو الشيء الذي يحدث للآخرين ، منذ ذلك الصيف أصبحت الغريب الذي كنتُ أظنه سواي ، الغريب هو الشخص الذي يجدد تصريح إقامته ، هو الذي يملأ النماذج ويشتري الدمغات والطوابع ، هو الذي عليه أن يقدم البراهين والاثباتات ، هو الذي يسألونه دائماً : ” من وين الأخ ؟ ” … قد لا يُفرحه ما يفرحهم لكنه دائماً يخاف عندما يخافون .
ذاكرته الصامتة فيه ، يحرصُ على أن يصون غموضه ، ولا يُحب من ينتهك هذا الغموض ، له تفاصيل حياةٍ ثانية لا تهم المحيطين به ، وكلامه يحجبها بدلاً من أن يعلنها ، يعشق رنين الهاتف لكنه يخشاه ويفزع منه ، الغريب هو الذي يقول له اللطفاء من القوم ” أنت هنا في وطنك الثاني وبين أهلك ” ، هو الذي يحتقرونه لأنه غريب أو يتعاطفونمعه لأنه غريب والثانية أقسى من الأولى ..!
فانفجرت في البكـاء .. وأنا أقول : مريد يتحدث عني .. هذه أنا وليس مريد .. أنا التي أقول : آخ .. كلما قالو لي من وين الأخت ..! أنا التي أنسى نفسي وأسأل صديقاتي هل جددتن الإقامة فينفجرن بالضحك لأني نسيت أنهن يملكن بطاقات الوطـن .. وانا لا أملك إلا بطاقة منفـى .. ! أنا التي … آخ .. !!
الممسوس بالشعر أو بالفن و الأدب عموماً إذ تحتشد في روحه الغربات، لن يداويه أحد منها .. حتى الوطن .. !
وما يفعل من مسته لعنة ” تذوق الأدب ” ولعنات ” الغربة ” .. ؟!!

في ظهيرة ذلك الإثنين، الخامس من حزيران 1967 أصابتني الغربة.
وأنا في صباح ذلك الأحد الثالث من كانون الثاني 1988 ولدتُ مصابة بالغربة .. يستوطن صدري ربو الحنين .. !
اعتدتُ أن أقرأ الكتب .. لا أن تقرأني الكتب .. لكن مريد قرأني .. مريد كتب عني .. وعن المنفـى .. وعن الأوجاع التي تخلفها أمراض الغربة .. كما فعلت بأخيه منيف .. ! أخشـى أن تفعل بنا ذات فعلتها مع منيف .. منيف اقترب من حدود الوطـن ووقف على الجسر الفاصل بين الوطـن والمنفى .. لكن لم يسمحوا له بالدخول .. فمات متاثراً بأمراض الغربة ..وقد كتب ففه قصيدة من أجمل ما قرأت .. :
وأخي شهيد جَماله وخصاله ..
أناْ لم أجد رجلاً يعيش بقلب أمٍّ مِثْلَهُ !
رجلٌ رؤومْ ..
وهو الذي ظلت أُمومتُهُ تُظَلِّلُ أُمَّهُ ..
ليرى ابتسامتها ..
ويفزع أن يكون بثوب كنزتِها ولو خَيْطٌ حزينْ .. !
كنتُ أقرأ واقارن بيني وبين مريد .. فأقول : مريد في نعمة لأنه رأى ملامح الوطـن قبل هذا .. أما أنا فلا أعرف الملامح وإن تلمستها .. ولا يعرفني الوطـن وإن احتضنني .. ! مريد عاد بعد 30 سنة وإن لم يزل ” الاحتلال ” .. لكن وطني ما زال يسكنه ” الاختلال ” .. والله وحده من يعلم إن كنتُ سأعود أو لن أعود .. وإن عدت .. كما مريد بعد 30 عام سأكون في الثانية والخمسين من عمري .. يااااه .. أي طعمٍ هذا الذي سيبقى كي أتذوقه .. !
كتاب مريد يفتح المزيد من الأوجاع التي أتحاشى الحديث عنها .. فقد تعلمنا أن على الغرباء أن لا يُفضوا بأوجاعهم فإن أحداً لن يسمعهم .. لذا أصبح عليّ أن أشيح بقلمي بعيداً وأقول وأنا أضحك مختنقة بالبكاء .. : تصبحون على وطــن .. !
971 مشاهدات
مارس 10th, 2010 at 5:39 م
من أجمل الكتب التي قرأتها!! كتبت عنه في مدونتي أيضاً
http://oeliwat.jeeran.com/archive/2010/1/1006290.html
مارس 10th, 2010 at 5:55 م
عرضكِ للكتاب مشوّق
آهات الغُربة لا تنتهي يا صديقتي ..
[ غُرباءٌ وارتضيناها شِعارًا للحيــاة ] ..
ولنا الله
مارس 10th, 2010 at 8:24 م
أراكة ، يا صاحبة الحرف الذي أحب _ و التي وصلت لمدونتها متأخرة جدًا جدًا _ ، أرجوك تحملي ثرثرتي هنا :-
عندما وضعتِ صورة 4 كتب اقتنيتيها مؤخرًا في الفيس بوك ، و رأيت : رأيت رام الله ، توقعت منك كل هذا الألم ، و تمنيت أن تجعليه الأخير من بينهم .
قرأت الكتاب العام الماضي و أكاد أكون نسيت معظم ما ورد فيه كمعلومات و أسماء لأماكن و شخوص ، لكني أتذكر جيدًا مقدار ألم الشاعر ، أتذكر كيف كان يعيش الغربة ، المؤلف ببساطة كان و لا زال _أظنه _ يتجرّع الغربة .
لست أهلاً للكتابة عن الغربة ، لأني ببساطة لم أجربها ، أظن أني أفهمك و أفهم مريد .
” أنت هنا في وطنك الثاني وبين أهلك ” ، هو الذي يحتقرونه لأنه غريب أو يتعاطفون معه لأنه غريب والثانية أقسى من الأولى ..! ”
هنا بالذات كاد قلبي أن يقع ، تأملت في أنا التي تعيش في وطنها ، يا إلهي كم نحن أغبياء ، أو سفهاء أو … سمّيها مثلما تريدين ، الإنسان في كل الأحوال لا يحب من يشفق عليه أبدً أبدًا ، لكن أن تجتمع الغربة مع الشفقة من الآخرين هذا لا يمكن تحمله .
لن أقول لكِ أنا الأخرى : أنتِ في وطنك الثاني ، و أنتِ أختنا و من هذا ، لكن اسمحي لي يا طيّبة :
ليس هناك يا يمكنك فعله ، تجرّعيها مثلما فعل مريد و عبّري عنها بالطريقة التي تحبّين .
صحيح نسيت أن أخبرك الكتاب أبكاني : ( و هو الأول الذي يبكيني .
هل تريدين مزيد مما عند مريد و عندك ؟
اقرأي هذا :
http://afnaaan.nsher.com/?p=246
ثم أخبرينا عند بتدونية جميلة كالتي قرأت
مارس 10th, 2010 at 9:57 م
تصبحون على وطن……………….؟!!
مارس 11th, 2010 at 1:24 ص
عزيزتي واختي اراكة
احييك على ما تملككين من حب للوطن وشوق لرؤيته
وحدها الغربة تجعلنا نعشق اوطاننا ونحبها كل تفاصيلها نحبها حد البكاء على ما لانملكه من العيش في وطننا وارضنا ونتكلم بالهجة نفسها لهجتنا ولغتنا من غير ان انخاف ان يعلم من حولنا اننا غرباء وان ليس لنا حقا ان نعلو بصوتنا او ان نفرض لغتنا ,في الغربتي نتعلم كيف نحب الشوارع والارصفة والمدن في الغربة نحب كل شبرا في وطننا نحب كل تفاصيله نبكيه نحب الناس الذين ينتمون اليه .
كل هذا حبا تمنحه الغربة لنا وتعلمنا كيف نحب وطننا لكن ليست الغربة في اننا لا نعيش على ارض الوطن الغربة هية الغربة في اوطننا فاصعب الغربة هيا هو الاحساس بها في ارض الوطن يا اراكة عندما نسير في شوارعنا ونحس باننا مهددون فيها بالخطر عندما نسكن بيوتنا ولا نحس بلأمان في الوطن
ماهو الوطن اذن هل الوطن هو الارض التي نسكنها ام التي ننتسب اليها ام الوطن هو الامن والاستقرار او المال كما قال سيدنا علي بن ابي طالب ؟؟؟؟؟؟؟؟
مارس 11th, 2010 at 1:56 ص
رائـــع !
كلّ من أنت و مريد رائعان و موجعان معا ً ..
الكتاب على رأس قائمه الكتب التي سأقرها هذا العام
تحياتي
مارس 11th, 2010 at 2:41 ص
قرأت ” رأيت رام الله ” ، ومنذ الصفحات الأولى قلت :
هذا الكتاب سيكون من آجمل ماقرأت وأقربها لقلبي
وكان ما قلت !
الطريقه التي يلمس بها الجرح ، التفاصيل التي لم يسبق لي أن قرأت من تناولها ، أو على الأقل من صاغها بهذه الدهشه !
والقراءة لك عنه تزيد تلك الدهشه !
كلاكما مذهل بطريقته الخاصه
مارس 11th, 2010 at 9:45 م
آآآآآه…
لا أملك إلا آن أقول…
أعانكِ الله يا حبيبة.. وأعان كل مغترب..
كلماتكِ كان لها قوّة عظيمة.. بالفعل من أجمل ما قرأت…!
أحببتُ قلمكِ كثيــراً..
ستجدينني دائماً هنا ، بإذن الباري…
في أمان الكريم
مارس 12th, 2010 at 3:38 م
مسح الله على قلبك من كل وجع عزيزتي
الغربة موجعة ومؤلمة ، أحياناً نكون غرباء في أوساطنا دون أوطاننا ، الغربة تقتل الروح
قبل الجسد .. لكن سبحان الله دائماً ما يهيأ الله لنا أرواح تحتملها .
الكتابين لمريد رغبت جداً بإقتناءهم من المعرض لكن لم يشأ الرحمن لي
سأحاول أن أشتريهم من إحدى المكتبات ..مريد دائماً مختلف
دائماً جميلة أراكة
مارس 14th, 2010 at 3:47 م
غرباء .. هكذا الأحرار في دنيا العبيد .
الوطن يا عزيزتي
هو ذلك الإحساس الذي ما زال يأبى الرحيل عن أوجاعنا وآلامنا
هو ذلك الطفل الرضيع الذي سيبقى صوته مدويا ً في أعماق الحشا ..
لا تجزعي فكلنا غرباء .
مارس 14th, 2010 at 9:30 م
أهلاً علا ..
شكراً للمشــاركة .. واهلاً بك دائماً ..
تحياتي ..
نور :
أهلاً بك يا نور .. الحمدلله على كل الغربات التي أتت والتي لم تأتِ بعد !
أهلاً بك
أهلاً يا سمر يا صاحبة التعليقات الجميلة والتي أسعد بها حتى لو تأخرت ..!

أنتِ تعيدين ذات الجراح .. يا سمر .. لكن الأهم أن تفهميني .. مشكلة الغرباء أن أحداً لا يفهمهم .. على مبدأ لا تشكِ للناس جرحاً أنتَ صاحبه لا يؤلم الجرح إلا من به ألم ! ..
أعطيتني كنزا وليس فقط مستودعاً .. المدونة راقية جدا ماشاء الله
سمر .. وجودك دفء ..
أهلا أخ اللجي ..
فقط نقولها .. ولا نصبح إلا على منفى !
أهلاً اسراء الغالية ..
أتفهم ما قلتيه جيداً .. ولذلك أصبحت أخشى العودة إلى الوطـن خشية ان يتفاقم الشعور بالغربة .. فلا علاج لها ودواء ..
ليس للغرباء إلا الصبر .. حتى ينالوا الطوبى يا إسراء ..
طبشورة .. أهلاً ..
الغربة أشد وجعاً منا نحن الاثنان .. !
يستحق أن يكون على قائمة الكتب .. عمل رائع ..
مارس 14th, 2010 at 9:31 م
مدى أهلاً بك ..
وسعيدة بالتعرف على مدونتك .. نكهتها خاصة ولذيذة ..
شكراً لك .. سعيدة جداً بالوجود ..
أميـمة ..
يا لهذا الجمال الباذخ .. حضورك مختلف يا نقية ..
كقلبك .. ليس لأحدٍ أن يملكه إلاكِ ..
كوني هنا دائماً .. وسأفرغ لكِ مكاناً خاصاً ليس لأحدٍ سواك
تشـارين ..
أهلاً بالصديقة الوفيـة لتدويناتي ..
أنا الأخرى سوف أقتني الكتاب الآخر لمريد .. بإذن الرحمن ..
سوف تجدينهما في جرير إن لم تجديهما في المعرض .. بالذات الكتاب الذي تحدثتُ عنه .. أنا اقتنيته من جرير .. مؤكد أنك ستجدينه ..
مبهر وجودك ..
أهلا أخ حمزة ..
ولغير الله لا نحني الجبـاه ..
والوطـن أيضاً هو ذلك الشيء الذي لم نصل له ولن يصل إلينا .. !
أبريل 15th, 2010 at 1:19 ص
الكتاب على رأس قائمه الكتب التي سأقرها هذا العام
تحياتي الغلا
مايو 1st, 2010 at 7:04 م
عندما يصبح الوطن الذي يضم أجزائنا المتناثرة قطعة من الجحيم، تنطق أقلامنا دون حاجة للإبداع لأن الأدب أولاً و أخيراً نتيجة معاناة سواء خيالية أو واقعية.. و الواقعية تدخل القلب أكثر..
صدق مداد البرغوثي و إنتمائنا المتأصل لقضيته يجعلنا نبكي لمجرد ذكر حقائق نألفها كل يوم !
هناك اتصال وثيق وجداني يربطنا بالبرغوثي ومايكتب عنه لذا تكون مشاعرنا متهيجة أساساً من قبل شروعنا بالقراءة..
مشاعرنا متجهة بشكل مرهب ناحية القضية الفلسطينية، العودة، المتغربين ووو إلخ لذا لا تستغربي أن يهتز قلبك لمنظر الشماع الفلسطيني متدلياً على كتف الشباب، ولا أساور غزة تخنق رسغ فتاة ما، ولا حتى طابعات كلنا غزة على خلفية السيارات ولا ولا كثير من الأشياء..
السبب واضح جداً : مشاعرنا صادقة، وافقت في الوقت ذاته كاتب صادق، وقضية صادقة و بلد منهوب و ناس محرومة حق العيش ! لذا دموعنا تسبق عبراتنا ولا عجب !
ثقي تماماً أن الجحيم بوابة للجنة ، و أن مع العسر يسرا، والصبح قريب، الحق أبلج، و النصر أقرب من طرفة عين و انتباهتها فقط نحتاج اليقين و اليقين فقط ..
تحية لكـ
مايو 1st, 2010 at 7:06 م
الشماغ و ليس الشماع المعذرة :$
مايو 27th, 2010 at 2:08 م
سلام الله عليكم
قراءة رائعة للكتاب.. مشكورة.
أغسطس 9th, 2010 at 10:19 ص
When you’re in a not good position and have got no cash to get out from that, you will need to receive the loans. Because that would help you definitely. I take commercial loan every year and feel good because of that.