هل نحن أيضاً ” ندوّن ” بأمرٍ من عزازيل ؟!!
- اكتبي !
- عزازيل .. ! ماذا تريد ؟!!
- اكتبي أريدك أن تكتبي وتدوني يا أراكة .. أريد لحياتك كلها مدوّنة هنا في هذه المدوِنة .. فإن من يكتب لا يموت يا أراكة !..
لا أعلم لما لم يغب هذا المشهد الخيالي عن خاطري طيل فترة قراءتي لرواية عزازيل .. لكاتبها الشهير ” يوسف زيدان “.. ربما لأن هيبا الراهب ” بطل رواية عزازيل وكاتب الرقوق السيريانية التي سآتي على ذكرها لاحقاً ” كان يعاني هذا الموقف مراتٍ عديدة .. ذُكر منها كثيرٌ و باعتقادي أن الأكثر لم يذكر ..!

فطفقتُ أفكّر مراراً وتكراراً .. بأنّ قصة هيبا الراهب وعزازيل ربما تكون حقيقية وربما مازالت تحدث معنا مع عزازل “جمع عزازيل في مذهبي ” آخرين .. وإلا فمالذي يحثنا على التدوين .. وما الذي يوقظني أحيانا من منتصف نومي لأفكر في مدونتي المسكينة التي أعتزلها وقلمي أياماً دون أن أخطّ فيها حرفاً ..! ومالذي حيث آخرين على التدوين يومياً في حالة أشبه ما تكون بالهوس .. بل إن بعضهم يترك مدونته 3 أيامٍ أو أقل ليعود للتدوين مرتين يومياً لمدة أسبوع على الأقل .. وكأنه يحاول التكفير عن ذنبٍ ألمّ به .. وهو به معترف ..! مالمانع من أن يكون عزازيل هو من يقف وراء كل هذا .. كما كان في موقفه مع هيبا الراهب وحثه للأخير على كتابة وتدوين حياته .. في مدة أقصاها أربعون يوماً ..!
من هو هيبا ؟!!
هو راهب مصري وُلد سنة 391 وارتحل من أسوان إلى أخميم في الصعيد ثم إلى الإسكندرية وشهد هناك وقائع ضخمة ثم خرج هائما على وجهه من الإسكندرية إلى شمال الدلتا مرورا بسيناء والبحر الميت مغارة البحر الميت بيبحث عن أصل الديانة وظل فترة في أورشليم ثم انتقل في المشاهد الأخيرة من الرواية للحياة أو للعيش في دير في شمال حلب وهناك كتب سيرة حياته التي دوّن فيها ما حصل معه وما رآه من سنة 391 إلى سنة 431 وهي سنة الصدام الكبير الذي حدث بين الكنائس الكبرى .
حقيقة لقد تأخرتُ عن قراءة الرواية 3 أشهر .. فقد تناوبها بعض أفراد العائلة بالقراءة .. ثم استراحت قليلاً في رف .. ثم ناولتها نفسي .. فالتهمت صفحاتها الـ 380 في أسبوع أو أقل ..
أول ما أذهلني طريقة المناجاة التي يناجي بها هيبا الراهب ” الرب ” بغض النظر عن طبيعة الرب الذي يناجيه هيبا الراهب إلا أن المناجاة كانت تحمل بين ثناياها حروف الصدق والكثير من الوجع والمعاناة .. الذي لمسني وأثر بي حقيقة ..
أسلوب الرواية أسلوب رفيع جداً .. إن دلّ على شيء فإنما يدل على سمو أسلوب كاتبها ..
أعجبتني بعض الجوانب في شخصية هيبا .. فقد كان حافظاً للسر .. متأدباً مع الكبار .. أواباً إلى ربه .. بعد اقترافه للذنب .. لكنه كان متناقضا جدا مع نفسه .. وكان مضطرباً في مواقف كثيرة .. اضطراباً يفسر أنه لم يكن ثابتاً على مذهب معين في دينه .. لدرجة أنه يفكر في ترك الرهبنة والتفرغ للطب .. ثم يعود إلى صومعته لدراسة الأفكار من جديد والثبات على الرهبنة والتدين ..
ساءني أو لم يعجبني .. فصلا ” غوايات أوكتافيا ” .. كان فيه تفصيل للقاءات حميمية والعذر من القراء .. كان على الكاتب أن يخفف من جرعتها قليلاً .. فالرواية إنما كتبت لهدف آخر .. ليس لهدف ما حصل بين هيبا و أوكتافيا أو ماحصل بين هيبا ومرتا .. عموما ألتمس للكاتب العذر في أنه أراد أن يوصل فكرة حرمان الرهبان من حقهم الطبيعي الفطري وإيصال معاناتهم في هذا الجانب .. لكن هذين الفصلين سوف يجعلانني أعيد النظر في جعل هذه الرواية من ضمن قائمة الكتب المميزة التي أعدها لأولادي في المستقبل ليقرأوها =) ..
أثارت هذه الرواية حفيظة الأقباط في مصر بشدة ودار عليها جدل شديد .. كلنا علمنا به وسمعنا عنه .. اتهموا فيه يوسف زيدان بالتعدي على خصوصيات الرهبان وحيواتهم التي لا يعلمها إلاهم .. وجدران صوامعهم المتجندين خلفها .. والتعدي خصوصا على البابا كيرولوس عمود الدين البابا الرابع والعشرين للكنيسة المرقصية واتهمه الأقباط بأنه نسب إلى البابا كيرولوس عنفا يقال إنه ليس موجودا أصلا في صلب العقيدة المسيحية ..! لكن زيدان يرد بأن البابا كيرلوس كان شخصا عنيفا وكل من درس التاريخ يعلم هذا وأظن أن آباء الكنائس يعرفون هذا جيدا وكان خاله الأسقف ثيوفيلوس أشد منه عنفا وهو الذي رباه، هذه حقائق تاريخية، أما عن الشواهد فهي كثيرة، هدم السيرابيوم، القضاء على المدارس الفلسفية بشكل تام، مع البابا كيرولوس تم إظلام تام لمدة خمسة قرون ليس إظلاما للإسكندرية فحسب ولا لمصر حتى إنما إظلام للعالم لأنه بعد مقتل هيباتيا العالمة الفيلسوفة لم يظهر اسم واحد في تاريخ العلم الإنساني طيلة خمسة قرون ..
ويضاف إلى البابا كيرلوس قيامه بالجريمة البشعة المتمثلة في سحل و قتل العالمة هيباتيا التي حضر الراهب هيبا مقتلها .. والذي اقتبس نصف اسمها اسماً له ..
اللقاء مع يوسف زيدان هنا كاملاً لمن أراد الإطلاع عليه وقراءته تفصيلاً ..
في النهاية أقول أن الرواية بمجملها رائعة .. وتستحق القراءة .. بتمعن وإعادتها عدة مرات أيضاً ..
والآن سوف (( أحاول )) التوقف عن القراءة حتى أتم التحضير للامتحانات ومن ثم أعود إلى قائمة الكتب التي وضعتها للقراءة عقب الامتحانات إن شاء الله ..
Tags: لاهوت, مصر, هيبا, هيباتيا, يوسف زيدان, أقباط, رواية, سيريانية, عزازيل
415 مشاهدات
نوفمبر 30th, 2009 at 7:15 م
ملخص جميل وشيق
الرواية عندي من شهر تقريباً ولم أتصفحها حتى الآن.. حديثك عنها سيجعلني ربما أتوقف عن قراءة كتابي الحالي لأبدأ بها، ليس لأنه غير جيد ولكن لأن قراءتي تمر بفترات مزاجيه واعتقد أن عزازيل هي مايناسبها حالياً
شكراً أراكه
نوفمبر 30th, 2009 at 7:49 م
كدت أشتريها من معرض الكتاب لكن النسخ كانت قد نفذت، وإن حديثك عنها يجعلني أفكر في وضعها على لائحة الروايات التي يجب شراءها عاجلا.
ديسمبر 1st, 2009 at 12:47 ص
أهلا يا جوهرة ..
لله الحمد .. أن كان لكلامي الأثر في جعلك تقرأين الرواية
أنتظر بشغف رأيك في الرواية .. عقب قراءتك لها ..
تحياتي ..
ديسمبر 1st, 2009 at 12:48 ص
أهلا أخ عونيـ
بالتاكيد ستنفد النسخ .. الرواية رائعة إضافة إلى الضجة الإعلامية التي رافقتها ..
كل هذه عوامل تجعل القراء يقبلون لشراءها ..
أيضاً لا تحرمونا من انطباعكم عنها عقب قراءتكم لها ..
نتشرف بوجودكم .. تحياتي ..
ديسمبر 4th, 2009 at 11:32 ص
سرد ممتع .. لم اتمعن فيه كثيرا لان الرواية لا تزال على الرف
منتظرة حالة مزاجية رائقة تمر بي لاتمعن في تفاصيلها و حروفها وماوراء كلماتها اكثر.. ولا اريد بطبيعة الحال ان احرق الرواية ^^
يخبرني البعض بان عزازيل هو مسمى “الشيطان ” في احدى اللغات فهل نحن ندون بامر غواية ابليس
؟؟
لا ارجو ذلك
شكرا لك على هذا الطرح ..
ربما اشارك برؤية اخرى للكتاب بعد الانتهاء من مطالعته
لك ودي
لبنى
ديسمبر 15th, 2009 at 4:05 م
احيانا احتاج الى الكتابة بشدة,لكن هذا السؤال يحيرني دوما : لماذا اكتب؟ … لا اجد الاجابة لكنني اكتب اكتب وفقط وكان هناك من يحثني على الكتابة …. هل هو عزازيل ؟ لربما …
قرات رواية عزازيل و بكل جدية اقول انني لم استمتع باي رواية قراتها كما استمتعت بعزازيل …